نساء و اوتاد

hfghfhrfthدخلت معبدا إغريقيا يقف فوق تل منذ عصور. فتح لي بابه فدخلت بخطوات فخورة، و وقفت بين أربعة أوتاد حجرية غرست في قلبه ، تقف على كل واحد منها أربعة نساء شامخات شموخ أحد، رافعات أيديهن إلى السماء، تحملن السقف الوحيد الذي خفف عنهن برد شتاء طرابلس. وقفت بينهن و قلت: أربع نساء فوق أوتاد بالية، فقالت لي أجملهن:

–         لولا الحب لسقط السقف، نحن نحمله من أجل بعضنا البعض

فأجبتها: – لما تحملن ما لا قدرة لكن على حمله؟

–         فقالت مبتسمة: لأني لا أتحمل أن أرى جروحا فوق جبين أختي

إلتفت إلى السيدة التي تقف على جهة اليسرى:

–         ما سبب وقوفك طول هذه المدة في مكان واحد؟

–         فأجابت بحزم: لأرى ماذا يخبئ لي القدر؟

–         و هل عرفت؟

–         لا لكني على الأقل أختي ترافقني

أدرت رأسي لأختها التي لم تخفض رأسها منذ لحظة دخولي، و لا حتى للنظر إلي:

–         نحن نحمل السقف منذ دهور، نحمله و تبقى رؤوسنا مرفوعة

قالت كبراهن لي: آخر إلاه سكن قلب المعبد قد دفن و وسيفه بجانب وتدي. لا تطل البقاء بيننا، غادر.

خرجت مسرعا  من ذلك المكان الملئ بالغبار حاملا معي رائحة العفن بين طيات ملابسي، كانت زوجتي تنظر إلي، طأطأت رأسي و قبلت يدها…

وجهات النظر ال…

وجهات النظر المختلفة ليست بالضرورة متضادة ولكنها في كثير من الأحيان متكاملة ..

اقبل المخالف وتعلم منه
لعل رأيه يضئ فكره في عقلك تجعل حياتك أفضل

الدهر عادل

لماذا ننتظر حتى يكبر أولادنا لنفهمهم معنى العائلة، حتى يجنحوا و يطلق الوالد الأم بسبب إهمالها المفرط، فقط حينها تجتمع كل “العائلة” ليخبروا أطفالهم بأنهم يحبونهم و بأنهم سيقفون بجانبهم مهما حدث. إبنة غاضبة و ولد عاق و رضيع يبكي و أم وحيدة تنتظر من يسأل عنها في منتصف الليل. أو ليس من الأجدر أن يعلم الوالدان ما ينتظرهما من مسؤوليات قبل الزواج بل قبل خطبة الفتاة الساذجة من والديها و إقحام عقلها بكلام الحب و الولع؟  يدرك الأب الطاعن في السن أن آبنته الذي كان يضربه البارحة بسبب قدر من الماء ليست أهلا لتحمل طفلا يبكي في الفجر، فهي نفسها لا تستطيع مسح دموعها في ذلك الوقت، كيف يمكنها التعامل مع كائن غير عاقل؟  أن تعرف الأم أن أسوأ وسيلة للتخلص من إبنتها ليست بتزويجها وإنما بالكف عن ضربها؟ أن يدرك العاشقان الشابين أنهما ليسا أهلا لتربية الأطفال…

منذ أن يعلم العريس حديث العهد بحمل زوجته تراه يركض يمنة و يسرة، كالطفل المجروح ،لا يزال غير قادر على آستيعاب الوضع، يمسك ورقة و قلما خفية عن زميله في العمل لكي يقوم بحساب تكلفة الحليب شهريا ! هو لم يحسب لذلك حساب لكن فاتورة الكهرباء مكلفة هذه الأيام… و عليه إيجاد عمل أفضل ليعيل شخصا إضافية لا يتجاوز طوله نصف متر، يأكل دون شبع، يبكي دون آنقطاع و من جهة أخرى زوجة نكدية تعاني من إكتئاب ما بعد الولادة, و  هو يقول في نفسه: ” الله يعيني”

هما حديثا العهد بالزواج و لا يفترقان و فكرة تحديد النسل ليست موجودة في ثقافتهم المحدودة: الطفل الأول ثم الثاني ثم الثالث و الرابع… حتى يضيق صدر الاب من الحفاظات و الألعاب المرمية هنا و هناك و بشكوى الوالدة من تحملها كامل مسؤوليات المنزل لوحدها، فتراهما يصرخان و يشتمان أمام باب المنزل و الأولاد ينظرون إليهما و يتساءلون عن سبب حزن أمهم و بكائها المتواصل. أمام بيتهم تسكن إمرأة في الأربعينيات من العمر ، يشاطرها زوجها غرفتين صغيرتين و مطبخ ، يعيش كلاهما على صراخ تلك العائلة و أنين الزوجة، لا يتذمرون و لا يزعجهم الضجيج المتواصل، حتى أن الصبية الصغار كثيرا ما كانوا يرمون ألعابهم في فناء منزلهما ليعيدها الزوج  إليهم بآبتسامة و يغلق باب منزله دون ان يعرف احد عنه شيئا.

عائلة كبيرة حباهم الله بملائكة الأرض يحملون معهم بركة و بهجة أينما حلوا ما عدى منزلهم، يوم تتأكد الأم أنهم أكلوا و ناموا تقول في نفسها أن مهمة الأمومة قد آكتملت بنجاح،  فكبر ت أجسام الأولاد الصغار داخل منزلهم، لكن روحهم و عقولهم قد كبرت في فناء الرجل العجوز و زوجته الطيبة، يأكلون عند أمهم و يلعبون عند جارهم، ينامون قرب والدهم لكن يضحكون عند جارهم، يحزمون حقائبهم في غرفتهم لكن ينجزون وظائفهم عند جارهم… كبروا حقا في منزل جارهم تاركين للأب مهمة جمع المال و للام طبخ الطعام و كنس المنزل.

عرف الصبية عدة قصص من جارهم و تعلموا تاريخ قريتهم و أجدادهم، حذقوا عدة حرف و قرِؤوا كتبا لم يعرفوا لها وجودا، أحبوا التاريخ و العلوم فلم يصبروا حتى يعودوا من المدرسة ليضعوا حقائبهم و يتجهوا إلى الباب الذي يقع أمام باب منزل والدهم. أمهم اعتادت الوضع طالما أنهم لا يزعجوها في القيام بأشغال المنزل، فهي لن تضطر أن تصرخ و تركض خلفهم، هي مرتاحة البال و هو بالنسبة لها الأهم، و طالما أن والدهم يرى علاماتهم في المدرسة في تحسن فهو سعيد، كيف و متى قرؤوا دروسهم؟ هذا لا يهم… فهم بالنسبة له تلاميذ مجتهدون و هو فخور بهم أمام كل البلدة، ما عدى أمامهم، فهو يدخل صامتة لا يسألهم عن أخبارهم، أو ماذا فعلوا في المدرسة اليوم، فكثيرا ما كانوا يسمعون من سكان البلدة أن والدهم يتحدث عنهم و يقول أن أبناءه هو الأروع في العالم، و حين يعودون إلى المنزل ينتظرون أن يقول لهم نفس الكلام لكنه متعب و عليه النوم فيكتمون خبر الرحلة المدرسية ليوم آخر…

لأول مرة يقرر جارهم العجوز اصطحاب الصبية في نزهة، فآشترى لهم كل ما تشتهيه أنفسهم، حلوى و ملابس و لعب و أخذهم إلى الحديقة بما تبقى لديه من جهد، فراقبهم و هم يلعبون و الإبتسامة لا تفارق شفتيه، فلعبوا حتى كلوا العب و طلبوا العودة إلى المنزل لأن الوقت قد تأخر، فأمسك بأيديهم الباردة و حاول تدفئتها و الأولاد يغنون و يرقصون فرحا، و ما أن و صلوا إلى باب المنزل حتى قبلوه و عنقوه و ودعهم على أمل اللقاء بهم غدا.

ذهب أكبر الأولاد لجارهم فلم يفتح الباب و عاد الأوسط لكن زوجته لم ترد فذهب الصغير إلى أمه و سألها: أين ذهب جارنا يا ترى؟ فردت الأم : لقد توفي البارحة هو و زوجته بسبب تسمم غذائي و لم يتفطن لهما أحد من الجيران…

بكى الصبية بما لهم من دموع حتى تعبوا، و ناموا جميعا في وقت مبكر. وجدت الأم نفسها محاطة بالأولاد الذين لا يساعدوها في الأعمال المنزلية، يتذمرون بسبب الطعام المالح. يخرج كبيرهم إلى وجهة لا تعرفها،و أبنتها ذات طباع سيئة مثل والدها !!! باستطاعة العائلة الآن أن يصرخوا كما يشاءون و لن يزعجوا أحدا، الإبن لا يريد البقاء هنا ، البنت تكره حياتها و الإبن الصغير يكسر كل ما تقع عليه يداه و البنت الأخرى تسب و تشتم و الرضيعة لا تجد من يحملها أو يقبلها و الأب في المقهى يشاهد المباراة و حين يعود إلى المنزل أو بالأحرى هو لا يريد العودة إلى المنزل لكنه حتما يتساءل عن السبب الذي ألت إليه حياته، أبناء عاقون و زوجة نكد و رضيع جانح، هو يتمنى من كل قلبه أن يعيد الزمن و يصلح ما أفسده الدهر، لكن الدهر برئ من أعمال البشر فالدهر كان عادلا بأن منحه أولادا لم يعطهم لجاره العجوز الذي مات و لم يتفطن إليه أحد، الدهر منحه عيونا ترعاه في شيخوخته و مرضه، الدهر برئ مما يفعله بنو البشر فالدهر عادل…

ابنة بن علي

مؤسف أنني ابنة بن علي! تربيت على كتبه و وقف التاريخ عندي في اليوم السابع. مؤسف أني لا أعرف سواه حاكما، لا أرى غيره حكما، لا أجد صور غيره على الحيطان و الأعمدة. قرأت قصصه في مجلات عرفان و باركت تغييره في صناديق السادس و العشرين.  مؤسف أني سميته أبي و رئيسي، و معه تعلمت كيف أهاب الشرطي و الوالي و الجيش. لا يحق لي أن أطلب حقا و لا أن أعارض أمرا، فالحجاب ليس فرضا و الصلاة عيب إجتماعي! مؤسف أني إبنت بن علي! !

 

ولدت و جاء معي بن علي فرحل مع ولادة أولادي، حلت علينا البركة يوم الرابع عشر فلم أعد بحاجة إلى الوشوشة في السوق حين أقص قصة ليلى و الذئب، بل أصبحت أحكيها لإبني بكل فخر حتى لا يقال له، إبن الحاج أو السلفي ! جاءتني فرصة الدخول إلى القصور العاجية التي كنت أغير طريقي كي لا يراني أحد أمر أمامها. دخلت الأبواب الموصدة التي تخرج منها الأوامر، ذلك المكان الذي يصدر منه مستقبلي، وقد خيل لي قبلها أنني سأرى العجب العجاب، لكني رأيت ما تدمع له العين: حيطان صفراء صفرة وجوه العاملين، كراسي ممزقة و مكسورة، و أتربة تصول و تجول في الأروقة. 

 

حمدت الله أنني لست مسئولا، و ليس لي أربع هواتف و ضيفين و مساعدا و زائر يتحدثون إلي في الآن ذاته، أحمد الله أن ليست من أقرر مصير أموال قرية ما، أحمد الله أني لن أحاسب على مشاريع قد لا تتم. قد أكون إبنة بن علي لكني لست من يجلس على كرسي طول اليوم يوقع على بوليصة حياة البشر بين أربع حيطان تغطيها ستائر مهترئة و قديمة.

 

فليكن الله في عون كل من حالفه الحظ أو دفعه القدر للجلوس على كرسي ما بعد الثورة، كرسي ظن أنه نعمة، لكن تبين أنه نقمة، على الأقل بالنسبة لي. و لولا غيرتي على هؤلاء لما قلت فيهم ما قلت.  

كان الرسول صلى …

كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالسا مع فقير من فقراء المسلمين، فجاء غني من الأغنياء، فلم يجد مكانا يجلس فيه إلا بجانب الفقير،

فإذا بالغني قد جلس بجانب الفقير وجمع أطراف ثوبه، فبصر به الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له : لم جمعت أطراف ثوبك، أخشيت أن تعدي الفقير من غناك، أم خفت أن يعديك هو من فقره؟،

فشعر الغني بألم الضمير،
فقال : يا رسول الله إن جزاء ما سولت لي به نفسي أني قد تنازلت عن نصف مالي لهذا الفقير،

فسأل النبي صلى الله عليه وسلم الفقير وقال له : أتقبل هذه الهبة يا عبدالله؟،

فقال الفقير : لا يا رسول الله،

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ولماذا؟،

فقال الفقير : أخشى أن أقبلها فأصبح غنيا، فأتكبر على خلق الله.