بلدي

 أعرف ثلاث بلدان غير بلدي، بلد من العالم الثالث، بلد متقدم صناعيا و بلد سياحي بآمتياز، لكني في كل مرة أشتاق إلى تلوث مائنا و مرارة مائنا و صفرة وجوه جيراننا, أشتاق إلى شوارعنا الوسخة و خدماتنا مؤسساتنا البطيئة. في الدول الأوروبية وجدت حاجبا “نظيفا” يفتح لي الباب للدخول إلى البنك لصرف الأموال, فقلت في نفس: ألم يجد عملا أفضل؟ لكن ملاحظتي التي فيها نوع من التقدير لبشاشة الرجل عند آستقباله جعلتني أخجل من نفسي لجهلي، لعدم آحترامي لغيري فهي ليست المرة لأولى التي يفتح لي الباب مسيحي، بل حدث مرة معي في البلد الثالث الذي زرته و قد قلت نفس الملاحظة السخيفة فردت علي قريبة: ذلك دليل على الأدب و التحضر ! و طبعا لصغر سني أنذاك فأنا لا أحمل في ثقافة المجتمهي لا أدبا و لا تحضرا !! إذ لم يقل لي والدي أن لا أرمي قوارير المياه في البحر بل بالعكس يغضب مني عندما أجمعها في السيارة، و لم تقل لي والدتي أن انخرط في جمعية ما لمساعة الفقراء بل كنت ارى ذلك مضيعة لوقتي، وقتي الذي أقضيه في مشاهدة التلفاز و التسكع مع الأصحاب…. حتى تعرفت على أصدقاء من الخارج يفنون حياتهم من أجل العمل التطوعي، يسافرون، يقومون بآجتماعات، و يتعلمون ما يجدونه متاحا من لغة و برمجيات، و أن كالمصدومة من نشاطهم و ثقتهم و تفانيهم من أجل الغير و أنا أعود إلى فراش لكي أبكي على مهند و مهند يقبض الملايين عن أدواره !!

في سنوات تعليمي الجامعي أردت أن أجني بعض المال فنصحني أصدقائي بان يتوسطوا لي بوظائف موسمية تساعد الطلبة على كسب الخبرة، كما أقوم بعمل مفيد في العطلة الصيفية، فكان رد والدي: سأعطيك أنا أجرتك و لا داعي أن تعملي، هل أنت محتاجة إلى المال؟؟ لم يكن الأمر متعلقا بمال بل بتجربة الحياة العمل و الشعور بالمسؤولية و بأنني فاعلة و تحسب تقلبات الدهر، فالدهر هو الغالب و نحن المغلوبين. جاءت ثورة محملة بأعباء سنين من التدهور الإقتصادي و الإجتماعي و من كان يبحث عن دفع فاتورة الماء أصبح يبحث عن قوت يومه، طلبة مشردون و معاهد و جامعات تخرج خريجيها من الابواب كمن يخرج الخرفان من المسالخ للبيع، شهادات عليا لا تساوي سنة عمل مقابل شركات مفلسة و مناظرات عمومية لا تقبل إلا عائلات الشهداء ة السجناء الرأي… هل أقتل أخي و أقول أنه شهيد أم أذهب لمركز الشرطة و أقول لهم أن يضعوا أني كنت من المحكومين عليهم؟ أنا الآن من المحكومين عليهم غيابيا، كلما تطأ قدماء شركة يضحكون ضحكة هستيرية فأخجل و أعود أدراجي، و عندما يتوسط إلى قريب لي في عمل أمضي أشهر في فترة التدريب أعمل ليل نهار، أبتسم و أتحمل الملاحظات و سخط المدراء لكي يقال لي في النهاية أن إمكانياتهم المادية لا تسمح بدفع أجرة عمل… 

قال لي العم صالح نجار الحي ان حالات الإغتصاب في الحضانات قد زادت و بسبب ذلك هنالك حملة لإقالة وزيرة المرأة … فأجبته : إن أجر شهر الذي تحصل عليه يكفيها لتعيش سنة، و ماذا سأستفيد لو بقيت أو رحلت فأنا عاطلة عن العمل في كل الأحوال. 

ذهبت لشراء بعض الخضار لوالدتي فسألني الشيخ أحمد: هل أنت سعيدة بقرار الحكومة بخفض الأسعار؟ فقل له: الشئ الوحيد التي خفضت في الحكومة سعره هو شهادتي العليا و قيمتي في هذا البلد غير ذلك كل شئ باهض الثمن. 

خطابات هنا و هناك تنجيج وعيد، غضب و سخط و قضايا على كلمة قيلت على الهواء و كل هذا تحت راية “حرية التعبير” و أنا أشاهد التلفاز، أقرأ في الجرائد عروضا للشغل حلاقة ، سائق، مربية أطفال، و كاتبة… كاتبة !! و اخيرا عمل يتطلب كفاءة، تراني في اليوم الموالي أرتدي أجمل الملابس و أسرع إلى العنوان المذكور فيستقبلني مدير يحمل هموم الدنيا و يقول: شهادتك العلمية عالية و أنت أذكى من أن تشغلي هذا العمل البسيط، فأصر و ارجوه لكنه ينظر إلى ساعته و يقول: أتركي أوراقك علنا نحتاجك في وقت ما. أعود أدراجي فأسمع سائقة سيارة التاكسي فاتحا مذياعه على خطاب رئيس الحكومة الذي يؤكد أن حكومة جاءت لترسيخ مبادئ الثورة و ضمان الكرامة و الحق في الشغل، فتراني أمزق شهادتي و أرميها في القمامة. 

قيل الثورة كل شئ هادئ، لا تسمع سبابا و لا شتيمة، تعود إلى المنزل ليلا مطمئن الباب متيفنا أنك ستجد أفضل عمل في احد الشركات الأجنبية، التي رحلت الآن بسبب الإعتصامات رحلت و تركت عائلات جائعة و مشردة، أعرف ان “روما لم تبن في يوم واحد” كما يقول المثل، لكن الدولة تبنى على حساب أمثالي و امثال المشردين و العاطلين عن العمل. 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s